والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت إلا وحبك مقرونٌ بأنـفاسي
ولا جلست إلى قـومٍ أحدثهم إلا وأنت حديثي بين جُلاّسي
مها الجريس
لم تكن تلك الصور من رحمته صلى الله عليه وسلم إلا شيئاً يسيراً من روعة أخلاقه وصفاته، تلك الإنسانية المتفردة التي كان يتمتع بها محمد صلى الله عليه وسلم جعلت من حوله يحبونه حباً يليق بهذه المعاني السامية ويقترب من سموها. لقد كان الرحيم بأمته أقرب إلى قلوبهم من أنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم وأبنائهم وأهليهم. وكل ما روته كتب السيرة من قصصٍ وأعاجيب في التضحية والفداء والطاعة والتعظيم إنما كان من آثار رحمته بهم وحرصه عليهم .تلك المحبة التي لم تقتصر على من عاشوا معه وتفيئوا من ظلال رحمته، بل سكنت قلب كل مسلم هداه الله للإسلام الذي هو رحمة للعالمين ولو كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم مئات السنين، فكل مسلم له من رحمته صلى الله عليه وسلم نصيب. ولهذا فهو عليه الصلاة والسلام أحب إلى كل مسلم من نفسه وماله وولده والناس أجمعين.
لقد سطر التاريخ لنا عجائب المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه وممن جاء بعدهم، الأمر الذي يعجز العقل أن يتصور كونه إلا لنبي أيده الله بوحي من السماء وغرس كرامته بيده وألقى عليه من محبته. تذكر كتب التاريخ أن رجلاً من أصحابه يقال له خباب بن الأرت وقع أسيراً في يد قريش فعُذِّب في جمع من الناس ثم قُدِّم ليُقْتَل فسألوه: أتحب أن محمداً مكانك وأنك في أهلك ومالك؟. فيجيب وهو مربوط اليدين ينتظر السيف: والله ما أحب أن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه فكيف به دوني؟[1]. وآخر من أصحابه وهو أبو دجانة يحوطه بجسده يوم أحد لئلا تصيبه السهام فتقع عليه بدلاً منه صلى الله عليه وسلم حتى غدا كالقنفذ من كثرة السهام على ظهره[2]. وطلحة بن عبيد الله يقيه بيمينه ذاك اليوم حتى شلت من كثرة ما أصابها من السهام. وامرأة من الأنصار تسرع لتحميه حتى قُطِعت يدها، تلك هي أم عمارة رضي الله عنها. وعليٌ ابن عمه يبيت في فراشه يوم الهجرة وهو غلام مع علمه أن قريشا قد أرسلت أحد عشر شاباً من فتيانها ليقتلوه صلى الله عليه وسلم. وحين أشيع أنه قتل في معركة أحد ثم نجاه الله وعاد إلى المدينة خرج نساؤها وصبيانها وشيوخها ممن لم يخرجوا للقتال ليستقبلوه ويقروا أعينهم بسلامته، حتى جاءت امرأة تسعى وتسأل عنه فلما رأته بعينيها قالت: كل مصيبة بعدك جَلَلٌ. وقد مات أبوها وأخوها وزوجها في تلك المعركه![3].
إن النفوس التي تعلقت به صلى الله عليه وسلم لم يعلِّقها حظٌّ من الدنيا ولم يكن يبهرها عظمة الملوك وهيبة السلطان، لكنها تعلقت برجلٍ كان يجوع حتى يربط الحجر والحجرين على بطنه، ويبيت أهله شهوراً لا يوقدون ناراً ولا يأكلون سوى التمر والماء. رجلٌ يحمل متاعه بيده ويصلح نعله بيده ويحلب شاته بيده ويأبى أن يقوم له من الناس أحد. إن الذي علَّقَ تلك القلوب هو ذلك القلب المقابل، القلب الرحيم، الرؤوف، الذي يحمل الهم ويعفو ويصفح ويرسم البياض في دنيا الأحقاد.
إن الرحمة جوهر رسالته ومادتها وجوهر شخصيته صلى الله عليه وسلم، وليست صفة عارضة. ولقد عجبت أشد العجب لتلك الصورة التي قدمت محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كرجل مجرم شرير تلفُّ رأسه قنبلة مدمرة، وتتهمه بالإرهاب والتطرف والقسوة!. أليس من المفارقة أن يُطْعَن الرجل في أخص صفاته، رحمته التي غلبت غضبه، وصبغت حياته، وسبقت سائر صفاته الأخرى؟، دون إخلالٍ بالتوازن الذي تتمتع به شخصيته الآسرة صلى الله عليه وسلم، حتى قال -بأبي هو وأمي-: (إنما أنا رحمة). وبهذه العبارة الوجيزة قدَّم محمدٌ نفسه للناس،. ومن قبل بشر به أخوه عيسى، وأَنَّه يأتي رحمة بعد غضب. فرسالته صلى الله عليه وسلم رحمة كلها من أولها إلى آخرها، حتى الحزم والقوة والعدل والشجاعة التي بلغ فيها المنتهى، تتجلى فيها رحمته. فإلى الرحمة وبها كان يدعو، فهي أسلوبه ومنهجه وسياسته، وهي مناط نجاحه وتوفيقه في دعوته. رحمةٌ لم يكن يصطنعها ويتملق بها إلى شعبه، بل فُطِر عليها. لقد كانت رقة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ورحمته وشفقته من عوامل نجاحه التي استعملها واستغلها واستفاد منها في دعوته، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَلِيْظَ القَلْبِ لَاْنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[4]. وشتان ما بين رحمة خالصة فطرية إنسانية وأخرى تحركها الأغراض، وتقوم على المصالح، فإذا وصلت إلى مآربها اختفت مظاهر هذه الرحمة المصطنعة، ليرجع ذاك الرحيم المزعوم إلى طبيعته الوحشية الغالبة من قسوة وغلظة وفظاظة. كانت رحمة محمد صلى الله عليه وسلم رحمةً عامة شاملة للإنسانية كلها بجميع ألوانها وأطيافها وتنوعاتها بل للوجود بأسره. إن رحمة المرء ولده ووالده وزوجه وقريبه رحمة فطرة، يستوي فيها سائر الخلق إلا من تحجَّر قلبه، ولكن الرحمة التي يكلفنا بها الإسلام هي الرحمة بالعامة، بأهل الأرض كافة، ويجعلها شرط اكتمال الإيمان، فليس بمؤمنٍ من لا يرحم.
أخلاقه صلى الله عليه وسلم إنسانية وليست عنصرية أو مصلحية، ولم تكن أخلاقه خاصة بأصحابه أو بني قومه دون سواهم من سائر الناس كأخلاق العنصريين الضيقة التي لا تستوعب إلا بني جنسهم أو دينهم وتضيق على سائر الملل والنحل، بل كانت أخلاقه إنسانية عامة، وسعت المسلم وغير المسلم، والكبير والصغي





















